Manifestations in the Dewan of the city (to the wind, said the tree)  Poet MuniraSeda anklet

Al-khamsaAllawi

Adab Al-Kufa, 2018, Volume 1, Issue 28, Pages 333-346

نروم من خلال هذه الدراسة الكشف عن تمثلات فضاء المدينة في ديوان الشاعرة الجزائرية منيرة سعدة خلخال الموسوم بـ( للريح قالت الشجرة ) ، محاولين من وراء ذلك الجواب عن سؤال طالما راودنا ونحن نقرأ للشاعرة أيهما تحققت فيه الشعرية أكثر النص كنسق أم التجربة كممارسة.
"لم تعد هذه المدينة
أفقاً أو مداراً
ينبغي أن نؤسس حتى نراها
ونرى أننا نراها
نظراً لايزال جنيناً
لغة لا تزال دفينة "
بهذا المفتتحالأدنيسي الحامل لرؤية صاحبه للمدينة رأينا أن نستهل قراءتنا العجلى هذه مستحضرين إيماننا الجازم بمقولة روسيل التي يقول فيها " كثيرا ما تكون القراءة ُ معَادَلةً للضياع ". وإناّ لنتساءل أي صنف من الضياع هذا ؟ أهو ضياع من أجل الضياع ؟ أم ضياع من أجل أن نخرج النص " من سكونيته إلى حركية أكثر جاذبية " ؟
وتأكيدا منّا على أنّ المراد إنما هو الصيغة الثانية للضياع نقرّ بما كان قد قاله عبد القادر فيدوح وهو أنّ الأمل المنشود لكل نص هو الرغبة في زعزعة كيان الذات ، ومداعبة ذائقة المتلقي بولادة جديدة تكون سببا في موت المؤلف وبداية الكتابة .
وعليه فإذا كان هذا النص شعرا كان الضياع أجمل وكانت المعادلة أصعب ؛ذلك لأنّ الشعر "حمال ذو وجوه وثيابه التنكرية لا تحصى، ودراسته تحتاج إلى صبر وأناة مع تعاطف حميم لا يتنافى مع الحدة النقدية " ، ولعل هذا ما يجعلنا نجزم بأن الشعر هو " جوهر الرؤيا الكشفية التي تبحث في علاقتنا بالكون وتقرب صلتنا فيما تتخذه المعرفة البدئية بالمعرفة الوجودية الأمر الذي يدفعنا إلى تفجير السؤال الناتج عن القلق المفعم بالصدى ، المنظَر للصمت في طريقه الصاعد إلى السكون " ، حاملا بين حروف نصوصه فكرة مُفادها "أنّ الحركة الإبداعية الفاعلة هي التي تسوّغ للقارئ استجابة من نوع متميّز ، لما في هذا النص أو ذاك من ثغرات وثقوب مائزة فيه ، فتحدث حميمية وجدانية بين المتلقي وعالم النص الذي يفسح المجال رحبا للاحتمال والاستكمال" ، محولا القراءة إلى حافزٍ لإثارة الصمت الأربد ، الملبد ، وهو ما "يسمح ببناء الشبكة التي منها يتمّ تحديد الحقل المفرداتي للنص "
فنحن "عندما نقرأ عملا فنيا جيدا فإنّه يفجّر في أحاسيسنا قنوات وجدانية لها روافد ذات عطاء ثري ينتج من توالي البناء الرمزي في القصيدة وكلما انطلقنا في قراءتنا تكونت أحاسيس مختلفة تتجمع أمامنا ونحاول أن نستمتع باستكشاف تلك المدائن الخبيئة والتي نقصد بها عالم القصيدة ، والتي تمثّل تجسيداً لتجربة تحبو أولا وكلما استمررنا في قراءتها رأينا ريشها ينبت ثمّ تحلِّق في خيالنا ، ويحلّق فيها خيالنا مع دفق من البث الشعري في الفكر والوجدان شريطة ألا نحس بتوهجها يخمد أو بأجنحتها تقص" ، وكل هذا يجعلنا نجزم بأنّ " الشعر ليس معناه الدخول في مسارب غامضة أو متاهات ينزلق فيها التخيل " إنما هو "محاولة للتخلص من الانفعال ، وذلك بواسطة الخلق التصويري الذي يكون معادلا لانفعال الشاعر ، هذا الانفعال الذي يحثّ الخيال على إعادة تحليل وتركيب البناء اللغوي وذلك ببث حيوية مخصبة في أعراق تلك العلاقات التي يزيل الشاعر عنها رتابتها " متجاوزا الحد الفاصل بين الوعي واللاوعي ، تاركا المجال لمخيلته التي " تقوم بعملية استكشاف لما يتموج من عوالم مترسبة حتى تعثر في أثناء تطوافها على أفكار متناثرة إلا أنها تقوم بضمها واحتضان أجزائها لتتكون هذه الأجزاء مع طول المعاناة العاطفية والجهد الفني إلى صورة " ، تكون حاملة لكلّ الانفعالات ، وتعبِّر بشكل ما عن وعي الشاعر وإدراكه الفني لكلّ ما من شأنه أن يغذي أوردة نصّه جماليا وبخاصة اللغة حيث يقوم بـ"استثمار ما تمتاز به اللغة من جماليات وطاقات خاصة على التوصيل ، وتجسيد الذروة التي يريد بلوغها كل عمل ، وتشكيل عدد من العلائق الداخلية بين مفردات اللغة وتراكيبها مما يؤدي في آخر المطاف إلى إنتاج نصوص ذات ماهيات مختلفة " .
ولما كانت وظيفة الشعر واحدة وهي الدفاع عن إنسانية الإنسان في العالم كما يقول ماياكوفسكي ،فإنّ "إنسانية الإنسان ليست قيمة مصمتة ، وإنما هي واقع أصيل يتأذى بشتى الاعتبارات (...) وهي رغم واقعيتها قيمة مطلقة ، وكل خروج عنها يمثل شرخا أو جرحا في وظيفة الشعر " التي تتجلى في كل مرحلة من مراحل الإبداع الشعري ( العقل ، القلب ، اللسان) ، "فقد يصف الشاعر البحر لأنّه أحبّ منظره ، أو تأثر بروعة امتداده، ولكنك تحسّ وهو يتحدث عنه ، أنّه يعبِّر بذلك عن حرية الإنسان أو عن عمق الوجود الإنساني ، أو سعة التجارب الإنسانية دون أن يصرِّح - في الحالين مخبرا أو مقررا- بهذه الرابطة الوثيقة السرية بينه وبين البحر " . ونحن إذ نقرأ الشعر فليس غايتنا الوصول إلى تحديد معناه بل يكفي أن تصيبنا عدوى الشعر أو اللذة على حد تعبير إليوت.
وقديما قال فخر الدين الصابي: ( أفخر الشعر ما غَمُض فلم يعطك معناه إلا بعد ممطالة منه) ، ولذلك فإناّ نعتبر قراءة الشعر نوع من المكابدة التي لا تحتاج من الناقد إلاّ"أن يقف أمام مبدعات الفن موقف المتعبد لا موقف القاضي " على حد تعبير كروتشه ، فهل سنقوى على تمثيل صورة المتعبد أمام نصوص المدونة أم أنّ الحس الأكاديمي سيجعلنا نُرضخُ نصوصها للمحاكمة النقدية الصارمة حيث تتحول اللغة لفرط حسّها النقدي إلى لغة لا وطن لها، ولا هوية سوى هذا النص الذي تنشده الشاعرة بلغة تتساقط أوراق مؤسستها العتيدة العنيدة ، ونقصد بها المؤسسة المعجمية البلاغية الأسلوبية التراثية ، لتتحول إلى لغة لها بحّتها الخاصة ، ولها جماليتها المتسكعة التي تتقصّد تأسيس نص أنثوي يسائل الذات وفعل الكتابة عبر ذاكرة واعية تسعى إلى تأجيج نار الخصوصية النصية لما يُكتب في زمن استحكمت فيه التعددية ، وطغت فيه سلطة التجريب الذي غالبا ما تكون مسالكه وعرة ومرجعياته عصية على النصوص التي يحاول أصحابها الغرف من تلك اللحظة المتوترة التي تُلغي الحذلقة وتقرّب لحظة الكتابة الشعرية من زمن الميتافيزيفا .
تمظهرات المدينة في ديوان ( للريح قالت الشجرة ):